يا لهامن
سجادةٍ عتيقة... كانت قد جاءت هديةً لأمِّها منذ سنواتٍ طويلة. بهتت ألوانها،
وتلاشت نقوشها، لكنها ما زالت هناك، تقصّ الماضي بصمتٍ في زاوية البيت.
ألعاب الطفولة
في صغرها،
كان حين تلعب "البيتيّة" تمسك بعصاً تجعلها مكنسةً، وتكنس تحت السجادة
أحلامها. كان كلّ شيء آنذاك أبسط. حتى الغبار كان جزءاً من اللعبة.
أما الآن،
فليس الغبار وحده ما يختبئ تحت تعرجات السجادة، بل تراكمت عبُ السنوات أيضاً.
لم تكن حياتها الزوجية على ما يرام. أمور كثيرة كان ينبغي الحديث
عنها، لكن الصمت كان يغطيها. كانت المشكلات تُكنس تحت السجادة، لكنها في كل مرة
تنتفخ أكثر فأكثر.
السجادة
ذاتها، البيت ذاته، العادات ذاتها... أحياناً يظلّ الإنسان ملتفّاً داخل حياته
كماتلتفّ السجادة على نفسها. يظنّ أنه كنَّس الغبار، لكنه لا يرى أن الوسخ الحقيقي
يتراكم في الكلمات غير المنطوقة، والمشاعر المكبوتة.
التغيير لا يحدث فجأة. على الإنسان أولاً أن يجرؤ على النظر إلى
مكنسته تحت سجادته. عندها فقط قد يجد نفسه لا عند حافة سجادةٍ قديمة، بل عند عتبة
بدايةٍ جديدة.
البدء بالحركة
وبعد فترةٍ
طويلة من الجمود، وقفت بيریحان.
وقالت:
"عليَّ أن أتحرك، لكن لا أعرف من أين أبدأ."
ثم نظرت إلى
السجادة نظرةً فاحصة.
وقالت:
"هذه السجادة تحتاج أولاً إلى تطهيرها من الغبار والأوساخ..." وشمّرت عن
ساعديها.
أحضرت دلواً من ماءٍ معطّر. كَنَسَت السجادة جيداً، ثم بدأت
تمسحها. لم تكن ذراعاها معتادتين على تنظيف السجاد، فأتعبها الجهد. شعرت بأن
طاقتها نفدت، فجلست على ركبتيها لتلتقط أنفاسها.
لكن التعب كان يستحق ذلك؛ فقد عادت نقوش الورود واضحةً من جديد.
انتعش قلبها، ولم تتركركنّاً في البيت إلا واعتنت به. كان جسدها مرهقاً، لكن
كنَسَكِينةً لطيفة غمرت روحها.
.تمدّدَت على الأريكة لتستريح. وما إن استرخى جسدها حتى بدأت
أفكارها تنشط شيئاً فشيئاً
نعم، لقد
نظّفت البيت... لكن كيف ستنظّف حياتها؟
كان التنظيف
الملموس سهلاً، أما التنظيف غير الملموس فكان أصعب بكثير.
العودة إلى الماضي
عادت
بذاكرتها إلى الوراء، تحاول تذكّر ما حدث معها واحداً واحداً.
في الحقيقة،
لم يتغير رفعت بعد الزواج؛ كان كما هو قبل الزواج أيضاً.
تذكّرت يوم جاء رفعت لزيارتهم أثناء فترة الخطوبة. كانت جالسةً مع
بنات عمومتها في الغرفة الأخرى، فناداه فلم تسمع. فصرخ بغضبٍ :مرتفع
"ألا
تسمعينني؟!"
ساد الصمت،
وأبدت تقريباً انزعاجهنّ، لكنها تظاهرت بأنها وجدت عذراً له.
وفي اليوم التالي حين خرجا إلى مركز المدينة بعد أن استأذنا
الأهل، آلمها حذاؤه هذا ذو الكعب، فقالت: "هل نشتري عالاً؟"
بدلاً من
إيجاد حلّ، وبّخه رفعت في وسط الطريق وكأنّ هي تضربها بالكلام.
لم تقل
شيئاً، بل جعلت تنفسها تصدّقه وتبرّره.
كان كلّ ما حدث يومه أشبه بمشهدٍ تمهيدي لمشكلاتٍ ستكبر لاحقاً.
لحظة الوعي
أدركت
بيریحان أنّ أموراً لم تلفت انتباهها في الماضي بدأت تزعجها الآن. ربما ظنّت حينها
أنّها ستغيّر رفعت مع الزمن، ولذلك لم تتوقف كثيراً عند تصرفاته.
لكن كلما
حاولت تغييره، ازداد الأمر سوءاً. لقد ركّزت عليه كثيراً حتى نسيت نفسها. بدأت
فرحته تبهت يوماً بعد يوم كما بهتت ألوان السجادة... ومع كل ما عجزت عن تحمّله،
كانت تكنس آمالها أيضاً تحت السجادة.
بداية التغيير
والآن فقط
فهمت خطأها.
فالإنسان حين
يواجه مشكلة، ينتظر ردّ فعلٍ من الآخرين. لكن هي تغفل عن أن ردّ فعله هو ما يغيّر
أثر الأحداث.
ولأول مرة،
اعترفت بأن الحلّ ليس عند رفعت... بل عندها هي.
وكان ذلك أول ردّ فعلٍ حقيقي يطلق بداية تحوّل بيریحان.
.بدت نقوش الورود على السجادة أوضح من أي وقتٍ مضى
وربما لا
تستطيع أنت إعادة للحياة نقوشها أيضاً—
أنت تنظف
نفسك أولاً، ثم تضع حدودها، ثم تجمع شجاعتها...
.هكذا يبدأ التغيير
لا في تعرجات
سجادةٍ قديمة، بل في شجاعةٍ تنبع من الداخل.
&
علم الخبرات
التصميم"
هو مجتمع
معرفيّ يستخلص من التجارب الماضية دروسًا،
ليصوغ بها
استراتيجيات تُعيننا على بناء مستقبلٍ أفضل.
يقدّم أساليب
تساعد الإنسان على أن يكون أسعد، وأنجح، وأصدق في علاقاته.
وتُسهم
برامجه – التي تبدأ بـ" مَن نحن؟"
"وتتواصل مع
"المهارة في العلاقات" و"علم نفس النجاح
.في أن يكون
الإنسان أكثر سعادةً ونجاحًا مما كان عليه بالأمس
0 Yorumlar